الصفحة الرئيسية >> الموضوعات

زراعة الأعضاء البشرية في المزرعة*

 

 

  ربما يكون كابوس لدى البعض ، لكن أستعمال أجنة بعض الحيوانات لصنع أنسجة بشرية قد بدأ فعلا . " أنه لخبر سيء " ، ربما يقول الطبيب هذا ، فالكبد لديك لا يعمل جيدا . لذلك فهو سيقوم بأستخلاص خلايا جذعية من نخاع العظم لديك ومن ثم يقوم بحقنها في جنين ماعز لايزال في الرحم ، وعندما يولد هذا الماعز الصغير ، سيحتوي كبده على عدد كبير من الخلايا التابعة لك ، جاهزة لكي تؤخذ وتزرع في كبدك من جديد .

بالرغم من هذا الأمل ، لكن العلاج بهذه الطريقة سيبقى لسنوات مجرد حلم ، لكن اذا حصل ما يخطط له ، فسيكون ثورة علاجية . لقد بدأ العمل بالخطوات الاولى لهذا المشروع فعلا من قبل فريق من الباحثين تحت رئاسة اسماعيل زانجاني ، من جامعة نيفادا في رينو . بخصوص هذا الموضوع ، يقول الان فليك ، من مستشفى الاطفال في فيلدافيا : " لدى اسماعيل نتائج أولية الى حد ما بخصوص هذا المشروع " .

يأمل فريق زانجاني في يوم ما الى أن يتم الحصول على حيوان أطلق عليه أسم شيمراس  " Chimeras " ، أخذت التسمية من الأساطير لوصف حيوان خرافي نصفه أسد ونصفه الاخر شاه وله ذيل أفعى ، ويحمل هذا الحيوان خلايا بشرية مطابقة للأنسان المأخوذة منه . ربما تستعمل هذه الخلايا لعلاج الأعضاء المتضررة ، او لتوليد أجزاء أكبر يمكن الأستفادة منها في عمليات نقل الأعضاء . وربما سيصبح من الممكن نقل أعضاء كاملة ، لأنه في بعض الحالات سيكون نقل جزء بشري من ضمن العضو المنقول أحسن من نقل عضو كامل مأخوذ من الحيوان. لكن رفض هذه الاعضاء من قبل جهاز المناعة في الجسم سيبقى هو المشكلة الأكبر ، لكنها بالطبع لن تبقى مشكلة لا تقهر ، حسب رأي فليك الذي يقول : " لا أعتقد ان مثل هذه المشكلة لن تطرق خلال الـ 10 او الـ 15 سنة القادمة غير مطروقة " .

فأذا نجحت هذه التقنية فستتجاوز واحدة من أكبر العقبات التي تواجه الباحثين الذين يسعون للحصول على أنسجة وأعضاء لغرض زراعتها . سوف يحصل الباحثون من هذه التقنية على كميات كبيرة لكل أنواع الخلايا او الأنسجة ، من دون الحاجة لأضاعة الوقت لأيجاد ظروف أستنبات او عوامل نمو مختلفة . بدلا من ذلك ، سيمتلك العلماء برنامج متطور يدل على موعد حقن الخلايا الجذعية البـشرية في الادوار النهائـية للحيوان المضيف . زانجاني يقول بخصوص هذا الموضوع : " ستكون الفائدة العملية هي زراعة شيء طبيعي في الجنين " .

سيمكن هذا الامر الأطباء أيضا من الحصول على خلايا متوافقة مناعيا من دون الحاجة لتوليد أجنة بشرية من خلال الاستنساخ العلاجي ، وهي عملية أستنساخ البشر من أجل الحصول على أعضاء بشرية يمكن زراعتها في المرضى ، يتم الحصول على هذه الأعضاء من الأجنة .

ستكون فرصة فصل خلايا الانسان عن خلايا العضو الحيواني المزروعة فيه سهلة وذلك من خلال تغيير الالية أنسجام الخلايا الحية معا . ستزودنا هذه الطريقة بخلايا بشرية أعتيادية ، لن ترفض من قبل الجسم ، وأي خلية حيوانية شاردة سيقوم جهاز المناعة بقتلها عند الشخص المستلم لها .

ستثير فكرة أستخدام جزء بشري وجزء حيواني ( شيمراس ) كمصنع حي لأنتاج الخلايا والاعضاء عدة قضايا منها قضية سلامة أستخدام هذه الخلايا والاعضاء بالاضافة الى القضية الأخلاقية . ففي البداية هناك خطر من أنتقال أمراض الحيوانات الى الانسان . والحصول على مثل هذا الحيوان ( شيمراس ) سيكون موضوع مثير للخلاف والجدل لفترة طويلة. والسؤال الذي يتردد بكثرة هل سيمكن الاستمرار بأعتبار مثل هذا الكائن حيوانا لفترة طويلة مع وجود خلايا بشرية يمكن أن تتخصص بشكل خلايا دماغية مشابه للخلايا الدماغية في الانسان ؟ . 

الهدف الاساس :

   الهدف الأساس لتقنية زنجاني هو زراعة خلايا بشرية والتعرف على أمكانية أستخدامها لعلاج الأجنة التي لديها خلل جيني من خلال حقنهم بخلايا جذعية . مازال هذا هو الهدف المقصود لتجارب زانجاني ، لكن مع أجراء التجارب على الحيوان ، برزت أفاق اخرى في أستعمال هذه التقنية يمكن من خلالها زراعة أعضاء بشرية . جاءت أول أشارة من خلال عمل قام به فليك قبل عدة سنوات . فقد لاحظ أن حقن خلايا جذعية بشرية مستخرجة من نقي عظم أنسان في جنين النعجة ، سيؤدي الى أن تصبح هذه الخلايا جزء من أنسجة القلب ، والجلد ، والعضلات ، والدهن بالاضافة الى أنواع أخرى من الانسجة لدى جنين النعجة . لكن كان عدد خلايا الانسان قليل جدا.

قام فريق زانجاني البحثي بأنتاج نعجة ( شيمراس ) تحتوي على خلايا بشرية مع زيادة كبيرة في عدد خلايا الانسان الموجودة في الأعضاء . وتبعا للنتائج التي تم الحصول عليها وأعلن عنها في مؤتمر أقيم في بداية شهر ديسمبر من عام 2003 ، فقد وجد أحتواء بعض الحيوانات على        7 – 15 %  خلايا بشرية في أنسجة الكبد .

لتجاوز مشكلة رفض جهاز المناعة ، أكدت الدراسة على أن الخلايا البشرية يجب أن تحقن في منتصف مدة حمل الجنين ، قبل أن يستطيع جهاز المناعة لدى الجنين من التمييز بين خلايا الجنين والخلايا الغريبة عنه ، وعندها لن ترفض هذه الخلايا . ذلك قد يحصل في حالة حقن هذه الخلايا عند أكتمال تكون الجنين في الرحم .

لكن لابد من التأكد من أن الحيوانات المولودة تبدو كنعاج طبيعية وليست مثل الهجين الغريب الذي نشأ عن أندماج بيضة مع نطفة مأخوذة من نعجة وماعز .

يقول كراكا الميدابورادا من فريق نيفادا : " في بعض الحالات ستكون خلايا كبد الانسان مجموعات تتجـمع في مكان واحد في كبد الحيـوان المضيف ، مكونة وحدات كبدية بشرية متكاملة " ، بخصوص هذا الموضوع يقول زانجاني : " هذه الوحدات يمكن أن تنقل بشكل كامل كأعضاء مساعدة " . ماذا ايضا ، الالبومين البشري – بروتين الدم الذي يصنع في الكبد – أمكن ملاحظته في دم الحيوانات المضيفة ،  هذا العمل مقدم للنشر حاليا . في غضون ذلك ، سوف تنشر نتائج اخرى لتجارب مماثلة على القلب في بدايات عام 2004 . يقول زانجاني حول هذه التجارب : " أستعملنا نوع من الخلايا الجذعية أدى الى تكوين الكثير من خلايا القلب " .

فأذا كان محقا ، فسيكون تقدما مهما وكبيرا ، وذلك يعود الى أنه سيفتح الباب للحصول على خلايا قلب جنينية لغرض العلاج. على سبيل المثال، نوع من خلايا القلب الجنينية تدعى خلية عضلة القلب (Cardiomyocyte)، أظهرت فعاليتها في أصلاح قلوب الفئران والجرذان ، لكن هناك

مشكلة كبيرة وهي أن المصدر الوحيد لخلايا القلب الجنينية هي الأجنة البشرية . لكن روبرت كونر ، أخصائي القلب في جامعة جنوب كاليفورنيا في ولاية لوس أنجلس في الولايات المتحدة الامريكية ، يقول : " أن مشروع مثل الذي يقوم به زانجاني سوف يتجنب مثل هذه القضية الأخلاقية " . يقول زانجاني بخصوص هذا الموضوع : " ستمكننا هذه التقنية من الحصول على أنواع كثيرة من الانسجة الاخرى ، مثل الخلايا المنتجة للانسولين لعلاج داء السكري " . يتأمل زانجاني أن يتمكن من زيادة نسبة خلايا الانسان في الاعضاء الاخرى . ويحاول فريقه البحثي الان التعرف على المزيد من الخلايا الجذعية التي حقنت ، وأي من الأعضاء قام بأنتاج كمية أكثر من الخلايا . تعطي هذه النتائج أشارة الى الفرق الذي يحصل عن أختلاف وقت ومكان الحقن بالخلايا الجذعية .

لكن كل الأعضاء في فريق نيفادا يؤكدون على أن هذه التقنية سوف تبقى لأعوام ان لم نقل لعقود بعيدة عن التجربة على الانسان .

في البدء ، سيكون ليس من اليسير التأكد من أن خلايا الانسان تؤدي وظيفتها بشكل جيد . وقد ذكرت بعض التجارب الحديثة أن بعض الخلايا الجذعية عند حقنها ستندمج مع الخلايا الاخرى ، بدلا من تكوين خلايا قلب او كبد أعتيادية . يـقول فلـيب نوكوجي بخصوص هذا الموضوع ، وهو رئيـس مـركز البـحث والتـطويـر الاحـيائـي في وكالة الغذاء والدواء الامريكية ( FDA ) : " السؤال الرئيسي هو متى تندمج هذه الخلايا مع خلايا الحيوان"، ويكمل : " ليس من الضروري قرع ناقوس الفـشل للمشروع اذا أندمجت الخلايا ، لكن من المهم معرفة ماهي المشكلة المطروحة " .

زانجاني متفائل بالرغم من ذلك ويؤكد أنه سيتمكن مع خلايا الانسان من صنع نسبة كبيرة من الأعضاء داخل جسم الحيوان ، وهو يعتقد أن الحيوان سيموت اذا لم تعمل الخلايا المندمجة بشكل جيد او كان هناك اي خلل في عملها .

أول المشاكل التي يضعها العاملون في حسبانهم عادة ، هي المعارضة لمثل هذه المشاريع ، ولكون هذا الموضع يتعلق بتغير في طبيعة الحيوان حتى وأن كان في مصلحة الانسان  ، فكان لابد من نشوء معارضة واسعة وفي الكثير من البلدان مثل المملكة المتحدة وكندا . فقلق واسع نشأ من أحتمالية أن تكمن الفيروسات في دنا ( DNA ) الحيوان ومن ثم تؤدي الطفرات الى أنتقال أمراض الحيوانات الى الانسان . لكن في الولايات المتحدة الامريكية هناك قبول واسع لمثل هذه الأفكار ، بالاضافة الى ان هناك عدة محاولات في الطريق ، لكن في نفس الوقت يركز على أن تقنية زانجاني ربما تكون مكلفة وتحتاج الى دعم مالي كبير لتطويرها . ماذا أيضا ، فالشركات لا تريد الدخول في هذا الحقل ولاتريد الاكتشاف بهذه الطريقة ، بسبب عدم الحصول على براءة الاختراع في هذا الحقل مع العلم انه الى الان لم تسجل اي براءة أختراع بخصوص هذا المشروع. ففي العام 1998 ، صرحت دائرة براءات الاختراع الامريكية أنها لن تمنح أي براءة أختراع اخرى في أكتشافات أعضاء الانسان . بالاضافة الى ان هناك قضية أخلاقية ، حيث سيعارض بعض الناس فكرة تكوين حيوان يحتوي على خلايا بشرية أستنادا الى القواعد الدينية ، أضافة الى عدد أكبر من المعارضين سينضم اليهم في حالة وجود أختلاف بسيط في الحيوان مع خلايا دماغية بشرية تجعله أكثر من مجرد نعجة . لا يستطيع زانجاني أن يحكم على الموضوع بالكامل ، لكنه يقول : " ليس لدينا أي طريق لمعرفة ذلك " ويكمل : " لكن في هذه المرحلة نحن نعمل مع الحيوان وهو ما زال مجرد نعجة " .  

أسئلة تحتاج الى أجابة :

·    ماهو الشيمراس ؟  كائن حي او بشكل أكثر دقة حيوان يتكون من خلايا مأخوذة من عدة أنواع من الكائنات الحية ، أما من نفس النوع او من أنواع مختلفة . أشهرها هو الحيوان  الذي نتج من جنين أخذ من المواد التناسلية لنعجة وماعز قبل أكثر من عقد من الزمان في جامعة كاليفورنيا ، وكانت النتيجة حيوان مغطى ببقع من الصوف وأخرى من الشعر ، ويحمل صفات من كلا الأبوين .

     لكن الشيمراس الذي يعمل عليه أسماعيل زانجاني يبدو كخروف عادي ، لأن الخلايا البشرية   

     حقنت أثناء فترة الحمل ، وهي خلايا دخلت في تكوين الأعضاء الداخلية .

·    لماذا ليس هناك أي خوف من رفض جهاز المناعة للخلايا البشرية المزروعة ؟ لأن الخلايا البشرية حقنت في جنين الحيوان قبل أن يتطور جهاز المناعة ، أي قبل أكتمال نصف فترة الحمل . وعندما يحصل ذلك ، فأن الأنواع المختلفة من الخلايا تتميز كأنها خلايا عادية ، حصلت نتيجة أنقسام خلايا الجنين ، فلا يميز جهاز المناعة هذه الخلايا على أعتبارها أجسام غريبة .

·    هل يظهر الشيمراس طبيعيا ؟ نعم ، فهناك العديد من البشر ربما يكون من الشيمراس دون أن يدرك ذلك . على سبيل المثال ؛ التوأم غير المتطابقين يمكن أن يلتحمان داخل الرحم ليكونوا جسم واحد جزء منه أنثوي وأخر ذكري . بالاضافة الى أن خلايا الأم يمكن أن تنمو داخل خلايا الجنين والعكس يمكن أن يحصل . كذلك هناك ظاهرة لها علاقة بهذا الموضوع يمكن أن تحصل وتدعى الظاهرة الفسيفسائية ، حيث يمكن لخلية عند مجموعة من البشر أن تتميز ويحدث هذا عادة نتيجة طفرة وراثية ، وهذا ما يسبب عادة ظهور الوحمات على سبيل المثال .

·    لماذا يراد الحصول على  الشيمراس ؟ يراد الحصول على الشيمراس ، للأستفادة منه في أجراء بعض الدراسات التي يحاول العلماء الحصول منها على الاجابة لبعض الاسئلة التي تتعلق بعملية التطور ، فيمكن من خلال ذلك الحصول بسهولة على معلومات جينية عن كيفية موت الخلايا المتميزة . فعلى سبيل المثال ، أستعمل طائري الدجاج والسمان لعدة سنوات كحيوانات بشكل شيمراس تحوي على خلايا غريبة . هذا ساعد العلماء على فهم كيف تتكون العضلات ، وكيف تمتد خلايا الأعصاب في الدماغ . في معظم هذه الدراسات ، نقلت خلايا من جنين طائر السمان الى جنين دجاجة ، حيث أندمجت خلايا جنين السمان مع خلايا جنين الدجاج بشكل طبيعي . تجارب مماثلة أخرى أجريت ، تم فيها نقل خلايا بشرية وزرعها في الفئران .  

مقال مترجم عن مجلة " New Scientist " العدد 20 الصادر في 27 ديسمبر 2003 ، تحت عنوان " Growing Human Organs on the Farm "  

سيلفيا باجان ويستفال

ترجمة الصيدلي فراس جاسم جرجيس 

مجلة البلسم عيادة البلسم كتب البلسم
عودة للصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة لدى شبكة البلسم للمعلومات الطبية والتثقيف الصحي

1 1 1 1 1 1 1 1