الصفحة الرئيسية >> الموضوعات >> عروس تُزف إلى غرفة الإنعاش ليلة عرسها

عروس تُزَف إلى غرفة الإنعاش ليلة عرسها


كانت الساعة تقرب على الواحدة ليلا بينما كنت مع زملاء آخرين لي مناوبين في حوادث اكبر مستشفيات إحدى العواصم العربية، اذ وصلت سيارة الإسعاف ناقلة مريضة ليست بمريضة عادية، فلقد كانت عروسة في ليلة زفافها، ولقد تبادر لنا من الوهلة الأولى أن سبب المشكلة هو حادث سيارة إلا إن ثياب العروسة التي كانت تنافس السحاب في بياضها لم تكن بها آثار دم اوتراب0000 يا سبحان الله فما المشكلة إذا. توجهت أنا وزميل لي لمعاينتها بعد أن تم وضعها في غرفة المعاينة الأولى، ولقد كانت تعاني من حمى مرتفعة وغيبوبة شبه كاملة وبعد الفحص السريري الكامل واخذ تاريخ المرض من الأهل وبعد الفحوصات المختبرية تبين لنا نوعية المرض، ورغم إن هذا المرض ليس بغريب في تلك البلاد وان المرضى بهذا المرض كثير، إلا إن الغريب هو النوع الإكلينيكي للمرض والسرعة في تدهور صحة المريضة. فأما المرض فكان مرض الملاريا و أما الصورة الإكلينيكية للمرض التي جاءت به المريضة فهو الملاريا الدماغية cerebral malaria  والتي غالبا ما تسببه طفيلي الملاريا من نوع الفالسيباريم والذي كان منتشر في تلك البلاد.

وهكذا زفّت مريضتنا إلى غرفة الإنعاش بدلا من غرفة عريسها وتم سحب الحلي من يديها لتحل محلّها الإبر والمحاليل الوريدية في دهشة واستغراب أهل العروسة والعريس. وأمّا العريس فلقد كانت لكلماتنا حول طبيعة المرض وانه ليس بالخطير وان نسبة الشفاء كبيرة صدى طيب في قلبه. وقبل أن أحدثكم عن حال المريضة في صباح اليوم الثاني وكيف أنها استيقظت من الغيبوبة لترى مالم تكن تتوقعه في صباحية أي عروسة دعوني أحدثكم عن مرض الملاريا.

عندما يذكر مرض الملاريا في دولة أوربية أو بعض الدول العربية المتقدمة فلا أحد يلقى له بالا، ذلك لانه مرض قد انقرض من هذه الدول ولم يعد له وجود ، أما في بلدة مريضتنا وبعض الدول العربية والإفريقية فهو كابوس يمرض ويقتل مئات البشر سنويا وضحاياه من  جميع الفئات العمرية. فلماذا فشلت هذه الدول في القضاء على هذا المرض بينما نجح الآخرون؟ وهل هو فشل أم إهمال؟ وما هو الحكم الشرعي في آلاف المسلمين الذين يموتون سنويا بسبب أمراض مختلفة استطاع غيرنا من الغرب القضاء عليها؟ 

الملاريا ( البرداء )
( MALARIA )

1 – التعريف : الأمراض الأربعة التي تشكل الملاريا الآدمية قد تكون متشابهة في أعراضها بحيث من الصعب التمييز بينها ألا بالدراسات المختبرية . وأخطر هذه الأنواع – ملاريا الغب الخبيثة أو فالسباروم – ( falciparum, malignant tertian  ) قد تظهر بصورة إكلينيكية مختلفة جداً تتكون من حمي ( ليست لها خاصية التواتر التقليدي ) وقشعريرة ، وعرق ، وصداع ، ويرقان ، وخلل في التجلط ، وصدمة ، وهبوط كلوي ، والتهاب مخي حاد ، وسبات ويجب اعتبارها سبباً محتملاً للسبات ولأعراض عصبية أخري ، مثل الارتباك والهذيان ، لدي أي شخص عائد حديثا من منطقة استوائية . والعلاج الفوري ضروري حتى في أشكال المرض التي تبدو خفيفة ، حيث أنه قد تظهر فجأة مضاعفات ثابتة . ومعدل الهلاك بين الأطفال الذين لم يعالجوا والبالغين بدون مناعة يتعدي 10% .

وأما أنواع الملاريا الآدمية الأخرى ، وهي ملاريا الغب الحميدة أو فيفاكس ( Vivax or benign tertian  ) وملاريا الربع ( Quartan  ) والبيضوية ( Ovale ) فلا تنطوي بوجه عام علي تهديد للحياة الا لدي الصغار جداً أو لدي المرضي بأمراض متزامنة . وقد تبدأ هذه الأنواع بتوعك مبهم تتبعه قشعريرة ارتعاشية وارتفاع سريع في درجة الحرارة ، يصحبها عادة صداع وغثيان وأخيراً عرق غزير . وبعد فترة خالية من الحمي تتكرر دورة القشعريرة والحمي والعرق أما يومياً أو كل ثاني أو ثالث يوم – وتختلف مدة الإصابة الأولية التي لم تعالج من أسبوع وأحد إلي شهر أو أكثر . والنكسات شائعة وقد تحدث علي فترات غير منتظمة لمدة سنين عديدة .

وقد يظهر الأفراد الذين كانوا يتناولون العقاقير الواقية اختلافاً كبيراً في فترة الحضانة ، كما يظهرون صورة إكلينيكية غير مثيالية .

ويجب التأكد دائماً من التشخيص بإظهار طفيليات الملاريا في أفلام الدم بالفحص المجهري . وقد يكون الفحص المتكرر لازما ، كما أن طريقة الفلم السميك هي أكثر الطرق احتمالاً لإظهار الطفيلي . وغالباً لا تشاهد الطفيليات في أفلام المرضي تحت العلاج حديثاً أو بصورة ناشطة . والأجسام المضادة التي تشاهد بواسطة اختبار الأجسام المضادة المفلورة أو أي اختبار آخر ، تظهر بعد الأسبوع الأول من العدوى وتستمر سنين عديدة .

2 – الحدوث : الملاريا الوبائية لا تحدث الآن في كثير من دول المنطقة المعتدلة، ولكنها سبب هام لاعتلال الصحة في أجزاء كثيرة من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية . وبعض الدول الاستوائية ذات التاريخ الطويل بفرط التوطن بالملاريا قد خفضت معدل الحدوث كثيراً باستخدام إجراءات المكافحة الحديثة . وفي الدول الاستوائية الأخرى التي توقفت فيها برامج مكافحة الملاريا ارتفعت معدلات الملاريا الي المستويات الوبائية وسلالات بلازموديوم فالسيبارم ( plasmodium falciparum  ) المقاومة للعلاج بمركبات الأمينوكينولين الرباعي (4-aminoquinolines ) ( وعقاقير تركيبية أخري كثيرة ).

3 – مسببات العدوى : بلازموديوم فيفاكس  ( Plasmodium vivax ) يسبب ملاريا الغب الحميدة ، وبلازموديوم ملاريا ( P. malariae  ) يسبب ملاريا الربع ، وبلاموديوم فالسبارم (P. falciparum  ) يسبب ملاريا الغب الخبيثة ، وبلازموديم أوفالي ( P. ovale  ) يسبب الملاريا البيضوية الأقل شيوعاً التي توجد في غرب أفريقيا. والعدوي الخليطة تحدث أحياناً في المناطق التي تتوطنها الملايا .

4 – المستودع : الإنسان هو المستودع الوحيد الهام للملاريا الآدمية .

5 – طريقة نقل العدوي : تنتقل بوساطة أنثي بعوضة الأنوفيل المعدية . وتتغذى أنواع معينة من الأنوفيل ( Anopheles  ) علي دم آدمي يحتوي علي بلازموديوم في طور الخلية المشيجية     ( gametocyte  ) . وتتحد الخلايا المشيجية للذكر والأنثي في المعدة وتتكون الحبيبات البذرية ( Sporozoites  ) في مدة تتراوح بين 8 و 35 يوما تبعا لنوع الطفيلي ودرجة الحرارة التي يتعرض لها الناقل . وتتركز الحبيبات البذرية في الغدة اللعابية وتحقن في الإنسان عندما تتناول الحشرة بعد ذلك وجبات الدم . وفي المضيف ذي القابلية للعدوي تظهر الخلايا المشيجية في الدم عادة خلال 3 – 14 يوماً بعد بدء الأعراض تبعا لنوع الطفيلي . وقد تنتقل الملاريا أيضاً بالحقن أو بنقل دم من شخص مصاب أو باستعمال حقن ملوثة كما هي الحال مع معتادي العقاقير . وقد يحدث انتقال وراثي .

6 – فترة الحضانة : في المتوسط 12 يوماً للبلازموديوم فالسيبارم ، 14 يوماً للبلازموديوم أوفالي ، 30 يوماً للبلازموديوم ملاريا . ومع بعض سلالات بلازموديوم فيفاكس قد تكون فترة الحضانة ممتدة من 8 – 10 شهور . وفي العدوى عن طريق نقل الدم تكون فترة الحضانة عادة قصيرة ، ولكنها تختلف تبعاً بعدد الطفيليات في الدم المنقول .

7 – القابلية للعدوي والمقاومة : القابلية عامة ، ولكن درجته تنخفض أحياناً بفعل العدوى السابقة . كما أن القدرة علي احتمال العدوى توجد لدي البالغين في المجتمعات حيث يكون المرض شديد التوطن وحيث يكون التعرض للأنوفيل المعدي مستمراً علي مدي سنوات كثيرة ، وبعض المجموعات العرقية الأفريقية لديها مقاومة جزئية للعدوي ببلازموديوم فيفاكس .

8 – العلاج النوعي لكل أنواع الملاريا لدي البالغين :

أ ) للحلات الحادة التي تصيب الأشخاص الذين ليس لديهم مناعة ، فيما عدا حالات العدوي ببلازموديوم فالسيبارم ، يستعمل كلوروكوين قاعدي بالفم يوميا علي مدي 3 – 5 أيام في جرعات تبدأ بـ 600 ملليجرام ثم 300 ملليجرام بعد ست ساعات ثم 300 ملليجرام في كل من اليومين إلي الأيام الخمسة التالية ( مجموعة الجرعة 1500 – 2400 ملليجرام ) أو أمودياكين قاعدي بالفم علي مدي ثلاثة أيام يجرعات تبدأ بـ 600 ملليجرام ثم 400 ملليجرام في كل من اليومين التاليين 1400 ملليجرام ) ، أو كبريتات أو ديهيدرو كلوريد الكينين 650 ملليجراما كل 8 ساعات لمدة ثلاثة أيام ثم كل 12 ساعة لمدة الأيام السبعة التالية أي بمجموع 15000 ملليجرام بالفم في فترة 10 أيام .

ب ) للحالات الحادة أو للعلاج الطارئ لحلات العدوى الشديدة أو للأشخاص الذين لا يستطيعون الاحتفاظ بالأدوية المعطاة عن طريق الفم يعطي هيدروكلوريد الكلوروكوين * ( 300 ملليجرام قاعدي في العضل ويكرر عند الحاجة بعد ست ساعات بحد أقصي 900 ملليجرام قاعدي كل 24 ساعة ، أو ديهيدروكلوريد الكينين *  650 ملليجراما ( 10قمحات )  مخففة في لتر محلول ملح طبيعي أو محلول جلوكوز أو بلازما تعطي في الوريد ببطء وتكرر عند الحاجة بعد ست ساعات ولكن لا تتعدي ثلاث حقن في 24 ساعة . زمن النادر أن تدعو الحاجة إلي إعطاء الكلوروكين في الوريد حيث أن الحقن في العضل يحدث نتيجة سريعة . وعند وجود دليل علي هبوط كلوي يجب تخفيض جرعات الكينين . ويجب إيقاف كل العقاقير التي تعطي بالحقن حالما يتسنى البدء في إعطائها بالفم .

حمداً لله على السلامة

حمدا لله على السلامة كانت الكلمات الاولى التي حاولت ممرضة غرفة الانعاش ان تسمعها للمريضة عندما راتها وقد بدأت عليها مظاهر الصحيان من فترة الغيبوبة والهذيان، لربما توقعت مريضتنا كلمات اخرى مثل (صباحية مباركه) الا ان علامات الشفاء من هذا المرض تستحق الحمد والشكر لله. لقد عمدنا الى دخول والدة العروسة وعريسها إلى جانب المريضة حتى يطمئن قلبها وهي تستعيد وعيها وإدراكها وحتى لا تجزع من كثرة الاجهزة التي حولها ومن المحاليل المتدلية من فوقها. لقد ابتسمت من قول العريس بعد ان عرف ان هذا المرض ينقله البعوض فقال لي (ايش من بعوضه هذه ماعندها دم ولا ذوق). قبيل المغرب تم نقل المريضة الى قسم النساء للأمراض الباطنية لتغادر المستشفى بعدها بيومين. لعل أقوى واكبر واجمل ذكرى يحبها الإنسان ويعتز بها هي ليلة عرسه إلا إن نسيان تلك الليلة لمريضتنا وعريسها هو الأجمل لهما.


إعداد : د. جمال عبد الله باصهي

 

جميع الحقوق محفوظة لدى شبكة البلسم للمعلومات الطبية والتثقيف الصحي