الصفحة الرئيسية >> الموضوعات

علاج البدانة..القناعة أولا

بقلم د. محمد العتيق

استشاري طب الأسرة

تُعدّ البدانة من المشكلات الصحيّة التي تنتشر بشكل تصاعديّ وتزيد معدلاتها يومًا بعد يوم في العالمين المتقدّم والنّامي. في السعوديّة مثلا، تشير الإحصاءات إلى أنّ 30 % من النساء مصابات بزيادة الوزن. وأما النسبة بين الرّجال فهي أقلّ من ذلك بقليل.
يتعرض المصابون بالسّمنة وزيادة الوزن إلى مشكلات صحيّة عديدة. ومن هنا يأتي الاهتمام بمشكلة زيادة الوزن، والعمل على علاجها، والعودة بالإنسان إلى وزنه الطبيعيّ.
فارتفاع ضغط الدّم، وداء السكري، وارتفاع الكولسترول، وأمراض شرايين القلب، وأمراض المفاصل، وحصوات المرارة، واختناق النّوم كلّها مشكلات صحيّة تُعدّ السّمنة عاملا مهما وفاعلا في الإصابة بها، أو زيادة مخاطرها.
إلى جانب ذلك، تستنزف مشكلة البدانة الموارد الصحيّة بشكل كبير. ففي أمريكا مثلا، تصل تكاليف الرعاية الصحيّة للمشكلات المرتبطة بالسّمنة حدّ 100 بليون دولار.
ومن جانب آخر، تُعدّ التّجارة والصّناعة الطبيّة المبنيّة على معالجة زيادة الوزن، و التخلّص من السّمنة رابحة بكلّ المقاييس. وتسعى كثير من الشركات إلى عرض بدائل ووسائل حديثة للتخلص من الوزن ، بيد أنّ كثيراً منها لا يعدو كونه دعاية فارغة ليس لها جدوى فعليّة .
في عام 1998 ، أصدر معهد (القلب والصدر والدم NHLBI) بالتعاون مع معهد (السكر وأمراض الجهاز الهضمي و أمراض الكلى NIDDK) الأمريكيّين مجموعة قواعد طبيّة علميّة موجّهة للأطبّاء والقائمين على الرعاية الصحيّة في كيفية رعاية مرضى السّمنة ومعالجتهم .
وجاءت تلك القواعد بعد بحث علميّ موسّع واستقراء آخر البحوث العلميّة المنضبطة التي درست مشكلة البدانة، ودرست مدى فعاليّة الوسائل المستخدم لعلاجها . كما شمل البحث آثار البدانة، ومضاعفاتها الصحيّة على أجهزة الجسم المختلفة .
في هذا الموضوع نطرح أهم ما جاء في تلك القواعد مما يمكن أن يفيد المرضى والمهتمين بمشكلة البدانة .
تعريف المشكلة ومضاعفاتها
ينبني تشخيص مشكلة البدانة وتحديد مخاطرها على ثلاثة مقاييس :
- معدل كثافة الجسم
- مقدار محيط الحوض
- عوامل الخطورة الأخرى لدى المصاب
معدل الكثافة الجسم هو الوسيلة الآن الأكثر استخداماً لتعريف زيادة الوزن والبدانة . ويؤكّد التقرير أنّ تعريف زيادة الوزن هو أنْ يكون معدّل كثافة الجسم ما بين 25 إلى 29،9
وأما البدانة فتحصل حين يزيد معدّل كثافة الجسم عن 30
وأما الوزن فيكون مثاليا حين يكون المعدّل أقل من 25
و معدّل كثافة الجسم هو حاصل قسمة الوزن بالكيلوجرام على مربع الطّول بالمتر .فمثلا لو كان وزن الرجل 100 كجم وطوله 170 سم ، فإن معدّل كثافة الجسم هو :
100 / 1،7 * 1،7 = 34،6
وينصح التقرير بأنْ يتمّ حساب معدّل كثافة الجسم لكلّ الأشخاص البالغين كجزء من الكشف الطبي أثناء المراجعات الطبيّة الدوريّة . كما يُنصح أنْ يُعاد قياسه كلّ عامين في حال كان طبيعياً .
وأمّا مقدار محيط الحوض فهو يعطي فكرة عن كمية الشحوم في البطن . وقد وجد أنّ مجرّد الزيادة في شحوم البطن تُعرّض الشّخص لخطر الإصابة بأمراض الشرايين .
يؤكّد التقرير على الارتباط القويّ بين خطر الإصابة بأمراض القلب والشّرايين، وبين تجاوز معدّل كثافة الجسم حدّ 25 . كما ثبت بالبحث أنّ معدلات الوفاة تزيد حين يتجاوز المعدل 30 . ومن المؤكّد أيضا أنّ هناك تلازماً بين ارتفاع معدل كثافة الجسم وبين زيادة معدّلات ضغط الدّم والكولسترول .
ومن هنا يأتي التأكيد على التخلّص من الوزن الزائد لكي تعود معدّلات الدّهون والسّكر إلى مستوياتها الطبيعيّة وفعاليّة ذلك قبل اللّجوء إلى المعالجة بالعقاقير .
إنّ جزءًا هامًّا من تقويم مشكلة البدانة هو تقويم المُصاب في عوامل أخرى قد يكون لها دور في الإصابة بالأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدّم، أو ارتفاع الكولسترول، أو السّكري، أو وجود تاريخ عائلي للإصابة بتلك الأمراض . إذا ما كان واحد من تلك الأمراض موجوداً فإنّ خطر البدانة يزيد لدى الشّخص وعليه أنْ يعتني بصحّته أكثر .
أنجع الوسائل لعلاج البدانة
يؤكّد التقرير على أنّ الوسائل الفعّالة في علاج البدانة هي ما كان مبنيًّا على تقليل السّعرات الحراريّة اليوميّة في غذاء الإنسان ، والانتظام في التمارين البدنيّة والعلاج السلوكي الذي يسعى لتغيير العادات الغذائيّة والنشاطات البدنيّة .
وتفصيل ذلك كما يلي :
- النشاط البدنيّ يجب أنْ يكون بمقدار معتدل ومتدرج . ويشترط أنْ لا تقلّ فترة التمرين الواحد عن 30 – 45 دقيقة ويتمّ الوصول إلى هذه الفترة الزمنيّة بالتدرّج . ويكون ذلك معظم أيّام الأسبوع أو كلّها .
- التّقليل قدر الإمكان من الدهون في الطّعام يفيد في تقليل السعرات الحراريّة وفي تعزيز صحّة القلب .
- التّقليل من الدهون في الطعام دون تقليل مجموع السّعرات الحراريّة لا يفيد في تخفيف الوزن .
- في المرحلة الأولى من تخفيف الوزن ، يفضّل أنْ يهدف الشخص إلى فقد 10% من وزنه . وإذا ما نجح في ذلك فإنّه يستمر في نفس المعدل كلّ فترة زمنيّة محدّدة .
- الفترة المثاليّة اللازمة لفقد 10 % من الوزن هي ستّة أشهر ، بمعدل نصف كيلوجرام أسبوعيًّا .
- بعد أنْ ينجح المرء في فقد 10% من وزنه خلال ستّة اشهر مثلا فإنّ الهدف الأساسيّ في المرحلة التالية هو المحافظة على هذا الوزن وضمان عدم الرجوع إلى الوزن القديم .
- قبل أنْ يصف الطبيب أيّة عقارات لتخفيف الوزن فلابدّ من إعطاء فرصة ستة أشهر على الأقل من العلاج الغذائيّ .
- العلاج بالعقاقير يجب أنْ يكون لفئة مختارة من البدناء وهم :
o ذوو معدّل كثافة الجسم أكثر من 30
o ذوو معدّل كثافة الجسم 27 ولكن لديهم عوامل خطورة صحية أخرى ( اثنين على الأقل )
o منْ لمْ ينجحوا كثيراً في تخفيف الوزن بالحِمية الغذائيّة
- العلاج بالعقاقير يبقى جزءًا من برنامج علاجيّ شامل يتضمّن الحِمية الغذائيّة، والتمارين البدنيّة والعلاج السلوكيّ .
- لم يتّضح بعد مدى خلوّ عقاقير تخفيف الوزن من المضاعفات حين تستعمل فترة تزيد على سنة واحدة . ولذا يجب الحذر من الاستمرار في استعمالها أكثر من سنة .
- الجراحة تعدّ من الخيارات المتاحة لعلاج البدانة . وهي توصف للمصابين بالبدانة المفرطة ( حين يزيد معدّل كثافة الجسم عن 40 أو 35 مع وجود عوامل خطورة إضافية ) حين لا تفيد وسائل العلاج الأخرى .
- المصابون بالبدانة الذين لا يرغبون في تخفيف الوزن أو ليست لديهم الدوافع الكافية للانخراط في برامج تخفيف الوزن فإنهم يحتاجون إلى استشارة طبيّة ونفسيّة لتوضيح مدى خطورة المشكلة ولإقناعهم بالسّعي إلى العلاج، أو على الأقل التوقف عن الاستزادة من الوزن .
- ليس هناك حدّ معين لعمر الإنسان تتوقف عنده برامج تخفيف الوزن . إنّما المعيار هو مدى وجود عوامل خطورة مرضيّة لأمراض السّمنة .

لاشكّ أنّ كثيراً من الناس يحارون من كثرة النصائح والتعليمات التي يقرؤون أو يسمعون عنها لتخفيف الوزن. وكثير من تلك التعليمات تبدو لهم غير دقيقة ولا واضحة وربما متناقضة.

ولكن سيبدو الأمر أسهل بكثير مما نتصوره لو علمنا أنّ تخفيف الوزن وعلاج البدانة يقوم على مبدأ بسيط ومباشر وهو أنّ (كل طاقة حراريّة تدخل الجسم يجب أنّ يتمّ استخدامها، و إلا تحوّلت إلى أنسجة دهنيّة) وبالتالي إلى زيادة في الوزن.

ومن هنا يتبيّن خطأ ما يروّج أحياناً من وسائل ومبتكرات لا تقوم على أساس علمي مثل موضوع (البصمة الو راثيّة) و (الرجيم الكيميائي) وغيرها.

وفي المقابل، فإنّ إدراك هذا المبدأ البسيط والمباشر لتخفيف الوزن يتيح للإنسان مجالاً واسعاً في اختيار الوسائل المناسبة له لتخفيف الوزن. فمثلا يمكنه أنْ يختار ما شاء من الأطعمة بكميّات معقولة شرط أنْ يحافظ على نشاط بدنيّ يستهلك ما ينتج من تلك الأطعمة من طاقة.

وهنا بعض المبادئ العامة التي تساعد على تحويل موضوع تخفيف الوزن إلى سلوك يوميّ طبيعيّ دون تكلّف ولا تعنّت.

- التسوق الصحي بداية الحِمية الناجحة:
إنّ كثيراً من مشترياتنا من الأطعمة لا تساعدنا في اتباع حِمية صحيّة فعّالة. الحِمية الجادّة تبدأ من مراجعة طريقتنا في التسوّق. مراكز التسوق تزخر الآن بمنتجات صحيّة تعين على اتباع حِمية ناجحة. فأكثر الأطعمة المعلبة تحتوي على قائمة بالمحتويات ونسبها ومقادير السعرات الحرارية فيها ما يمكننا من اختيار المناسب منها.
يجب أنْ نعتني بقراءة الملصقات على الأطعمة المعلبة قبل الإقدام على شرائها. ومن جهة أخرى هناك أطعمة خاصّة بالحِمية مثل مشتقات الألبان منزوعة أو خفيفة الدّسم، ومثل المنتجات ذات السعرات الحراريّة المتدنّية، وهذه يجب أنْ تكون جزءاً رئيسياً في مشترياتنا من المأكولات والمشروبات.
ومن جهة أخرى ينصح بألاّ يخرج المرء إلى التسوّق وهو جائع. فذلك يدعوه في أحيان كثيرة إلى شراء ما لا يحتاجه مدفوعاً بشعور الجوع؛ فكأنّه سيلتهم كل ما امتلأت به عربة التسوّق.
كثير من الناس لديهم رغبة لا تقاوم في الشراء سواء كان محتاجاً لذلك أم لا. وكلّنا حدث معه أنْ دخل يوماً إلى مركز التسوّق وفي باله بضعة أشياء يرغب في شرائها، ثم لا يلبث أنْ يخرج بمشتريات إضافيّة ليس محتاجاً إليها في كثير من الأحيان.
ولكي يتفادى الإنسان الوقوع في هذا عليه أنْ يخرج إلى التسوق بقائمة محدّدة تحتوي حاجته الفعليّة من المشتريات، ثم لا يزيد عليها.
لا تنس أنّ أصحاب مراكز التسوق يحرصون على عرض بضائعهم بطريقة مغرية، و يتّبعون في ذلك حيلاً نفسيّة لكي يدفعوك إلى شراء ما لا تحتاجه فكن يقظاً !
الأطعمة التي ينصح بشرائها بكثرة: مشتقات الألبان منزوعة الدسم – الخضار والفواكه الطازجة والمحفوظة – البقوليّات – اللّحوم البيضاء.
- تجنّب الأكل و أنت تشاهد التلفاز
ظهرت بعض الدراسات العلميّة التي تربط بين انتشار البدانة وبين كثرة ساعات الجلوس إلى التلفاز. إحدى تلك الدراسات نشرت في مجلة (أرشيف طب الأطفال والمراهقين) الأمريكيّة عام 2001. الدراسة راقبت سلوكيّات 4 آلاف شخص أعمارهم ما بين 8 – 16 سنة، ودرست أربعة أمور: معدّل ساعات الجلوس اليوميّ لمشاهدة التلفاز و معدّل تناول السّعرات الحراريّة وطبيعة النشاط البدنيّ و الإصابة بالبدانة.
وقد ظهر جلياً في الدراسة أنّ من يزيد معدّل جلوسهم إلى التلفاز عن ساعتين في اليوم مصابون بالبدانة أو الزيادة في الوزن.
هذا يمكن تفسيره من عدة جوانب: الأول أن الجلوس طويلا إلى التلفزيون يبعث على الخمول وقلة النشاط البدني و هذا مع الوقت يسبب السمنة.
ومن جهة أخرى يتزامن الجلوس إلى التلفاز لدى البعض مع تناول الوجبات الغذائيّة. وهنا يزيد وقت الجلوس إلى المائدة ويزيد المرء من أكله دون أنْ يشعر بينما هو مستغرق بمشاهدة التلفاز.
ومن جهة ثالثة يتأثّر كثير من المشاهدين بالإعلانات التجاريّة التي تزخر بها برامج التلفاز فيؤثّر ذلك تدريجياً في سلوكيّاتهم في التسوّق، و في الأكل والشّرب. وغنيّ عن القول أنّ محتوى الإعلانات التجاريّة يعمل على ترسيخ سلوكيّات غير صحيّة في غالب الأحيان.
- وجبات صغير ة بدلاً من وجبة واحدة ثقيلة
من السلوكيّات التي تعين على تخفيف الوزن تقسيم الوجبات الغذائيّة اليوميّة إلى وجبات صغيرة متعدّدة بدلاً من وجبة أو وجبتين ثقيلتين. يمكن أنْ تكون الوجبات الصغيرة كلّّّّّّّّ ثلاث أو أربع ساعات. وينصح بأنْ تكون الأطعمة مكوّنة من سكّريات مركّبة مع نسبة من البروتين. ومثال ذلك شطائر زبدة الفول السوداني.
وفي مثل هذه الطريقة يلبي المرء رغبته و متعته في الأكل مع توفير حاجة الجسم من السّعرات الحراريّة.

- الإكثار من وصفات (الريجيم) الفارغة
هل تريد أنْ تعرف إنْ كانت وصفات (الريجيم)، وَوسائل الخسيس التي تسمع بها، أو تقرأ عنها هي صحيّة و فعّالة أم مجرّد دعاوى تجاريّة فارغة ؟
عليك أنْ تجيب عن الأسئلة التالية.. هل تلك الوصفات أو الوسائل:
- تضفي خصائص ومواصفات خياليّة لبعض المنتجات والمعدّات والتّقنيات ؟
- لا تحثّ على زيادة النشاط البدنيّ أو تطلب قدراً يسيراً منه ؟
- تركّز على سرعة فقد الوزن ؟
- تتطلّب برنامجاً صارماً غير مرن ؟
- تشجّع على تناول مركّبات معيّنة ؟
- تضمن النّجاح ؟

إدا كانت الإجابة عن الأسئلة السابقة أو عن معظمها هي ( نعم ) فاعلم أنّ وسائل تخفيف الوزن تلك هي دعائيّة ليس لها مصداقيّة علميّة ولا طبيّة، فحذار منها.

إنّ نصائح تخفيف الوزن ينبغي أنْ تؤخذ من مختصين في هذا المجال من الأطباء وأخصائيي التغذية وأمثالهم، فهذا أدعى للسلامة و أدعى للنجاح في الوصول إلى وزن صحيّ دون مشكلات.

مصدر الموضوع: موقع الإسلام اليوم

http://www.islamtoday.net

 

 

مجلة البلسم عيادة البلسم كتب البلسم
عودة للصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة لدى شبكة البلسم للمعلومات الطبية والتثقيف الصحي

1 1