بسم الله الرحمن الرحيم

من سلسلة فقه المريض

أحكام فقهية حول بعض الأمور الطبية المتعلقة بالصوم في شهر رمضان

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد :

     فهذا شهر رمضان، غرة الزمان، ومتجر أهل الإيمان، قد أختصّه الله بإنزال القرآن، وفرض فيه على المؤمنين الصيام، وجعله أحد أركان الإسلام، قال تعالى: {  شَهرُ رَمَضانَ الّذي أُنزِلَ فيهِ القُرءانُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنات مِنَ الهُدى وَالفُرقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ وَمَن كانَ مِنكُم مَريضاً أَو عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِن أَيّام أُخَرَ يُريدُ اللهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى ما هَداكُم وَلَعلَّكُم تَشكُرُونَ } ( البقرة/185).

    مرحبا أهلاً وسهلا بالصيام               يا حبيبا زارنا في كل عام

    قد لقيناك بحبٍّ مفعمٍ                   كل ُّحبٍّ في سوى المولى حرام

    فاغفر اللهم ربي ذنبنا                     ثم زدنا من عطاياك الجسام

    لاتعاقبنا فقد عاقبنا                       قلق أسهرنا جنح الظلام  

        الصيام:  لغة الإمساك والكف عن الشئ.

وشرعاً: هو الإمساك نهاراً عن المفطرات فلا تفطر بنية من أصله من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. فهو التعبد لله تعالى بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.  وفيه أجر جزيل، بل هو من أفضل الأعمال، ففي الحديث القدسيِّ: «كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصَّوم، فإنه لي وأنا أجزي به»

      ** ويجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم ، ويؤمر به الصبي إذا أطاقه ، ويجب بأحد ثلاثة أشياء : إكمال شعبان ، ورؤية هلال رمضان ، ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه ، وإذا رأى الهلال وحده صام ، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله ، ولا يفطر إلا بشهادة عدلين ، ولا يفطر إذا رآه وحده ، وإن صاموا بشهادة اثنين، ثلاثين يوماً أفطروا ، وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة .

 

-        ما يباح للصائم:

* الصائم يصبح جنباً: عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" (متفق عليه) .

* السواك للصائم:  قال صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء " (متفق عليه) . فلم يخص الرسول صلى الله عليه وسلم الصائم من غيره، ففي هذا دلالة على أن السواك للصائم ولغيره عند كل وضوء وكل صلاة عام، وفي كل الأوقات قبل الزوال أو بعده.

* المضمضة والاستنشاق: كان صلى الله عليه وسلم يتمضمض ويستنشق وهو صائم ، لكنه منع الصائم من المبالغة فيهما، قال صلى الله عليه وسلم: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" (صحيح أبي داود) .

·  تحليل الدم وضرب الإبر التي لا يقصد بها التغذية: فإنها ليست من المفطرات، لأنها ليست بأكل ولا شرب ولا هي بمعناهما ولا يتلذذ الإنسان بها ولا تصل إلى الجوف فلا تفطر.

و الأبر: " الحقن" وهي المداواة بإدخال الدواء إلى داخل الجسم عن طريق العضد.   

والأولى في هذه المسألة: هو الرجوع إلى كلام الأطباء فإن قالوا بأن الحقنة تغذي الجسم وتفيده كالأكل والشرب أُلحقت بهما ، وإن قالوا إنها لا تنفع الجسم وليست بمعنى الأكل والشرب لم تلحق بهما . والله أعلم .

* خلع السن: لا يفطر الصائم.

* ذوق الطعام: وهذا مقيد بعدم دخوله الحلق، وكذلك الأمر بمعجون الأسنان. لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه: "لا باس أن يذوق الخل أو الشيء ما لم يدخل حلقه وهو صائم" (رواه البخاري) .

* الكحل والقطرة ونحوهما مما يدخل العين: هذه الأمور لا تفطر سواء وجد طعمه في حلقه أم لم يجده ، وقال الإمام البخاري في صحيحه: "ولم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم باساً " وعلى هذا فمذهب الشافعي وأبا حنيفة أن قطرة العين والكحل لا تُفطر الصائم ولو شعر بطعمها في حلقه. 

 

-     الأمراض المبيحة للفطر:

والأصل فيها قوله تعالى: { ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }. وهكذا فإن علماء الأمة قد اتفقوا أن المريض الذي يخاف بالصوم زيادة مرضه أو تأخر برئه أو حصول مشقة لا تحتمل، وذلك بإخبار طبيب مسلم عدل حاذق، أو نتيجة تجربة سابقة للمريض، جاز له الفطر وعليه القضاء بعد الشفاء التام وقدرته على الصيام.

   و ينطبق الحكم ذاته على الشيخ الفاني وهو الذي كل يوم في نقص إلى أن يموت، أو هو الذي فنيت قوته ويئس من رجوع قدرته على الصوم. وقد أجمعت المذاهب الأربعة على أنّ له أن يُفطر وعليه فدية طعام مسكين عن كل يوم، أما إذا عجز الهرم عن الصيام في رمضان وقدر عليه في أيام أخر، وجب عليه القضاء ولا فدية عليه. وإذا أفطر الشيخ لعدم الاستطاعة ثُمَّ قدر على الصوم فلا قضاء عليه سواء أخرج الفدية أو لا عند الجمهور.

 

-   حكم المسافر والحبلى والمرضع ورخصة فطرهما برمضان:

يقول تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج }  [ سورة الحج: الآية 78 ].

و قال جلا وعلا: { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها }  [ سورة البقرة: الآية 286 ].

و بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم "

و يقول صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل وضع عن المسلم الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم " [ رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي ].

من رحمة الإسلام أنه دين يُس فلا تفطر ر وسماحة. وقد رخص للمسافر الفطر بما جاء في القرآن في آية الصوم: { ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }  [ سورة البقرة: الآية 185 ] وذلك حتى لا يجتمع على المكلف مشقة الصوم ومشقة السفر.

  إنَّ الحامل والمرضع كلتاهما تحتاجان إلى مزيد من الغذاء لتقدمه إلى جنينها أو وليدها وقد يعرضها الصوم أو يعرض الجنين أو الرضيع إلى انحراف في الصحة، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على إباحة الفطر للمرأة في هذه الحالة سواء أخشيت على نفسها أو على وليدها وجنينها. كما اتفقوا على وجوب القضاء، ولكن اختلفوا في وجوب الفدية، فلم ير الأحناف وجوبها، وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوبها إذا خافت الحامل أو المرضع على وليدها فقط دون الخوف على نفسيهما، أما إذا خافتا على أنفسهما فقط أو على أنفسهما ووليدهما فعليهما القضاء فقط.والله أعلم.

أسأل الله الرحمن الرحيم أن يتقبل صيامنا وقيامنا ويغفر ذنوبنا وزلاتنا ويعتق رقابنا من النار إنه سميع  وللدعاء مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

           جمع وترتيب/ الأستاذ حسن سالم هبشان.

 

عودة للصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة لدى شبكة البلسم للمعلومات الطبية والتثقيف الصحي